تمهيد
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الإمام الحسين بن علي عليهما السلام:
دخلتُ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعنده أُبيّ بن كعب, فقال لي رسول الله (ص): مرحباً بك يا أباعبدالله, يا زين السماوات والأرضين, فقال له اُبيّ: وكيف يكون يا رسول الله زين السماوات والأرضين أحد غيرك؟ فقال: يا اُبيّ والّذي بعثني بالحقّ نبيّاً, إنّ الحسين بن عليّ في السماء أكبر منه في الأرض, فإنّه لمكتوب عن يمين عرش الله: مصباح هدى وسفينة نجاة وإمام خير ويمن وعزّ وفخر, وبحر علم وذخر, وإنّ الله عزّوجلّ ركّب في صلبه نطفة طيّبة مباركة زكيّة.
بحارالأنوار, ج36,ص 204, الحديث 8
تمهيد
لقد اصطفى الله من عباده الصالحين أئمة هداة، وجعلهم حججاً بالغة على جميع خلقه، وقال: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ )(السجدة/24)
وقال سبحانه: (أولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ )(الانعام/90)
أوَلم يكف البشرية رسول واحد يستضيء بنوره الناس على مر العصور؟ دعنا نعود إلى البداية لنعرف الإجابة، أو تدري متى تتوقف عقارب الزمن ويتكلس العصر، ويتجمد الإنسان ويسوده التخلف، ويحكم الإرهاب ويتسلط الظالمون؟
الزيف غياب المسؤولية
تماماً عندما ترين على الأفئدة طبقة سوداء من الأفكار التبريرية والمعاذير الخادعة، فيتحلل كل الناس عن مسؤولياتهم، كل باسم عذر وبتبرير كاذب. فيقول البسطاء والمستضعفون: إننا لا نعرف طريقاً لمقاومة الظالمين، إنما نحن بؤساء محرومين نتبع كبراءنا وساداتنا أو السابقين الأولين من آبائنا، كما يصف القرآن الكريم ذلك بقوله: (أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَآ أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ )(الاعراف/173)
أما الأثرياء فهم الذين يخافون الفقر ويخشون المساواة والمحرومين ويقولون: (وَقَالُوا إِن نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أرْضِنَآ )(القصص/57)
ويقولون: (قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الاَرْذَلُونَ )(الشعراء/111)
بينما تجد أنصاف المثقفين وأدعياء الدين يسكتون عن الباطل ويداهنون الظالمين ويرضون بفتات من خيرات السلطان، وكما يصفهم القرآن: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً )(البقرة/79)
ويقول عز من قائل: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ )(المائدة/13)
وإن هؤلاء هم أخطر الفئات على المجتمع، لأنهم يسرقون سلاح العلم والدين من أيدي المحرومين، ويضعونه بأيدي المستكبرين والطغاة لقاء دراهم معدودة.
وليس لا يقاومون الظلم والاستكبار فقط، وإنما يحذرون الناس ويشيعون بينهم أفكاراً سلبية وانهزامية، وما الأمثلة الجاهلية الشائعة حتى اليوم بين الطبقات المحرومة إلا من بقايا ثقافة وعاظ السلاطين وخول الطغاة من المتثقفين الخونة وأدعياء الدين السفلة.
إنهم أشاعوا بين الناس بأن السلطان ظل الله، وأن من تسلط على الرقاب بالسيف فهو أحق الناس بالطاعة، وأن الحشر مع الناس عيد وإن كان إلى سعير جهنم، وأن معنى التقاة السكوت عن الطغاة، وأن اليد التي لا تقدر على قطعها استسلم لها وقبلها، وأن من تزويج أمي فقد أصبح أبي وعمي.. وعشرات من الأفكار الشيطانية الزائفة.
إن هذه الطبقة من زيف المعاذير الشيطانية، والأفكار الانهزامية والسلبية التي غلقت أفئدة الناس بمختلف فئاتهم كانت وراء فساد السلطة، وزيغ الثقافة، وسوء التربية والأخلاق، والفقر والظلم والحرمان وما يستتبع ذلك من العصيان والشرك والكفر.
فيا ترى أنى لنا النجاة منها؟
لقد أودع الله في ضمير البشري فطرة طاهرة وعقلاً نيراً ونفساً لوامة، وهو القائل: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ? فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا )(الشمس/7-8) وأيد ذلك الضمير برسالاته التي تواترت، وكتبه التي تواصلت.. كلما امتدت يد التحريف إلى رسالة، وفسرها خدم السلاطين المترفين تفسيرات خاطئة، ابتعث الله رسولاً قائماً برسالات الله، لتكون حجة عليهم.
ثم أكمل حجته بأوصياء هداة وصديقين شهداء، تصدوا للتأويلات الباطلة والتفسيرات التحريفية، حتى أبانوا الحق وأظهروه، ودحضوا الباطل وأسقطوه.
إن أعظم محاور الرسالات وأعظم أهداف الرسل وخلفائهم، كان تبديد زيف التأويل الباطل عن الدين، ونفي الأعذار الشيطانية التي تخلف الناس عن الدين بسببها.
وقد خاض أنبياء الله وأولياؤه المؤمنون صراعاً مريراً من أجل نسف الأعذار والتأويلات الزائفة التي نشرها أدعياء الدين بين الناس.. وسعوا جاهدين لكي يبقى مشعل الرسالة زكياً نقياً وضّاءً بعيداً عن زيف التبرير وزيغ التأويل، لكي لا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.
لقد رسموا بجهادهم وجهدهم وكذلك بدمائهم الزكية خط الرسالة التي تتحدى الطغاة المستكبرين في الأرض، المتسلطين على الناس زوراً وعدواناً، والمترفين المستغلين لجهود المستضعفين والعلماء الفاسدين الخانعين اليائسين.
وكانت نهضة أبي عبد الله الحسين عليه السلام علماً بارزاً في هذا الطريق الشائك، حيث كانت رسالة جده المصطفى عليه وعلى آله صلوات الله أعظم انتفاضة للضمير وتوهج العقل، وأسمى ابتعاث لدين الله الخالص من زيغ التأويل وزيف التبرير.
لقد كانت المشكاة الصافية التي أضاء عبرها مصباح الوحي كل الآفاق، ولكن الشجرة الأموية الملعونة في القرآن التي جسدت في الجزيرة العربية دور فراعنة السلطة والثروة، ودهاة المكر والتضليل، والتي صدت عن سبيل الله والرسالة في بدر وأحد والأحزاب، لقد كانت هذه الشجرة لا تزال قائمة؛ وقد أوكلت مهمة اجتثاثها وتصفية الرواسب الجاهلية التي تغذيها إلى خلفاء الرسول (ص) .
وها هم طفقوا يتسللون إلى المجتمع الناشئ ليزرعوا فيه بذور النفاق والشقاق، إنهم كما الخلايا السرطانية امتدوا إلى كل نفس طامعة، وقلب حاقد، ومستكبر بتوثب للسلطة، ومترف يبحث عن مصالحه.
وفي غفلة من الزمن تحققت رؤيا رسول الله (ص) الذي أخبر أصحابه عنها ذات يوم أنه رأى قردة ينزوون على منبره.. فإذا بهذا الحزب الاستكباري يستغل الأوضاع المتوترة في عهد عثمان، ويقوم بما يشبه انقلاباً عسكرياً يقوده ابن أبي سفيان معاوية، ويخوض أصحاب النبي الميامين بقيادة أميرهم المقدام وإمامهم الهمام سيد الأوصياء علي بن أبي طالب عليه السلام يخوضون ضدهم حرباً ضروساً في صفين لا تختلف عن حروب رسول الله ضد سلطة قريش.
وإذا سقط الإمام علي شهيداً في محراب الكوفة بسيف غادر شحذة بنو أمية، وإذا مضى نجله الإمام الحسن مسموماً ضمن مؤامرة أموية، فإن للإمام الحسين دوراً متميزاً في كربلاء، حيث يقتلع جذور الشجرة الخبيثة بإذن الله، وبالدم المظلوم الذي يهزم سيف البغي والعدوان، ولا يكون هنا غدر ابن ملجم وسم جعدة.
كلا؛ لقد جاء دور المواجهة السافرة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق